© All copyright reserved to Nebras 2019

  • Grey YouTube Icon
  • Grey Instagram Icon
  • Grey Twitter Icon
هِبة إلهية

هو شيء مُقدس ...

هو شعور روحاني ...

هو سر الحياة ونعيمُها ...

هو معجزة إلهية منحنا إياها الرب ...

هو حلمٌ ورديٌ نعيشه خارج عالمنا الواقع ...

وقد يكون أحياناً .. هو العذاب ...

قد يكون هو المرض ...

قد يكون هو الجنون ...

قد يكون هو نار الجحيم ...

هو .. وهو ..، كثرت أوصافه واختلفت ألقابه وأشكاله؛ ولكنه يبقى هو نفسه بسحرهِ وقوته متميزٌ لا مثيل له ...

كثيراً ما نتكلم عن الحُب ونوصفه، وكثيراً ما نمثلهُ بأفلامنا ومسلسلاتنا بل حتى هناك من يُمثل الحُب بحياته اليومية، ولكن قليللاً منا من شعرَ بالحُب وعرفه فعلاً.

في السنوات الاخيرة مع التقدم العلمي وتطور الآليات الحديثة من تحاليل وفحوصات الأشعة استطاع علماء المخ من رصد آثار الحُب والتغيرات التي يُحْدِثُها في نشاط المخ ودوائره العصبية، فقد اكتشف العلماء ان عندما يقع الإنسان في الحب فإن الدوائر العصبية المخية الخاصة بالحرص والتفكير المنطقي يتم إغلاقها، لذلك لا يرى المحب عيوب محبوبه. كذلك يتم تهدئة المراكز المخية المسؤولة عن الخوف والقلق، وأيضاً اكتشف العلماء أن الحب يشغل نفس الدوائر العصبية الخاصة بالجوع والعطش، لذلك يشعر المحب بالرغبة والحاجة المُلِحة، وأثبت العلماء ان الحب يشغل نفس الدوائر العصبية التي تنشط عند الإصابة بالجنون، وإن الحب يشغل نفس الدوائر العصبية المخية التي تشغلها الرغبة في الأستحواذ والتسلط وكذلك الشعور بالثقة، ويشغل  نفس الدوائر العصبية التي تؤثر فيها الإدمان لأشتراكهما في عدم القدرة على الاستغناء والسعي الشديد للإشباع.

إذاً الإنسان عندما يحب؛ لا يُحب بقلبه فقط . بل يُحب بكامل أحاسيسه وقواه المخية وبكل جوارحه الحسية .. هذا هو سحر الحُب وعظمته! هو مزيجٌ من المشاعر والأحاسيس.

يقول الدكتور عمرو شريف في كتابه (المخ ذكر ام أنثى) مفسراً تحت عنوان مرحلة الزواج ورسوخ الحُب: "عندما ينتقل الحبيبان من مرحلة الحُب الرومانسي الساخن إلى مرحلة الحُب الهادئ العميق المستقر فإن الدوائر المخية الخاصة بالإلحاح والشوق تهدأ وينشط بدلاً منها دوائر الارتباط المسؤلة عن الاطمئنان والثقة والركون إلى من نحب، وقد يسئ البعض تفسير هذا التغيُّر ويعتبرونه فقداناً للحُب".

ويقول الدكتور عمرو شريف: "الحُب أكثر تجربة غير منطقية يمكن أن تمر بالمخ". إذا الحُب لا يحتاج إلى أسباب لنحضى به، للحُب منطق خاصٌ به.

هُنا لن اكتُب عن الحب بسلبية؛ السلبية التي نراها اليوم تشوه سُمعة الحُب، لن اكتُب عن هؤلاء الذين استخدموه وسيلة لإشباع غرائزهم وشهواتهم، هؤلاء الذين يتلاعبون بأسم الحُب من أجل غاياتهم النتنه، فهو أطهر من أن يكون وسيلة لنجاساتهم، الحُب خُلِقَ ليتجلى في الروح ويسمو بها، لا لكي يكون أسيراً بين قضبان شهواتنا، فهؤلاء نزلوا مكانة الحُب من الروح العالية إلى الشهوة المادية الواطية، لن اكتُب عنه بهذه السلبية التي لصقوها به؛ لأن سلبيتهم الشهوانية هذه لا تُعدُ حُباً، الحُب لم يُخلق لكي يكون شهوةٌ فقط، فالحُب بريء من هؤلاء.

يقول الكاتب يوسف زيدان: "الحُب إعصارٌ كامنٌ في زاوية بعيدة بأعماق القلب، وهو يتوق دوماً لإجتياح كل ما يتعرض طريقه". ويقول الكاتب ياسر حارب: " الحُب هو اللاشيء الذي بوجوده يوجد كل شيء".

الحُب إبتسامة، الحُب دمعة، الحُب كلمة، الحُب قُبلة، الحُب فرحة، الحُب صدفة، الحُب همسة، الحُب إلهام، الحُب إحتضان، الحُب أحزان، الحُب إيمان، الحُب داء ودواء، الحُب فرحة وبُكاء، الحُب عذاب وهناء ... الحُب هو في كل الأشياء.

قد اكون صغيراً على التكلم عن الحُب، ولكن هناك أشياء تعلمتها عن الحُب وأصبحت أؤمن بها إيماناً تاماً، فقد أيقنت ان الحُب لا يمكن أن يُطلب، فالحُب يأتي لوحده ولا يُذهَّب أليه، وأيقنت ان الحُب لا يمكن أن يخطط له فكل ما علينا فعله هو الإنتظار، كل ما علينا هو انتظار رجفة القلب تلك؛ فما إن يخطو نحوّنا و نلاحظ أي من ملامحهُ وإشاراتهُ، حينها علينا أن نسرع إليه مسحورين ساقطين في شباكه.

وأيقنت ان الحُب يُرسِخَهُ الصراحة والصدق، ويبعثرهُ الخداع والكذب، الحُب يتجلى في الضمير الصادق، والضمير يكمن بالروح لا بالجسد، فإذا طغى الجسد على الروح، أختل الضمير، ومات الحب!  وتعلمت أن الحُب سرٌ؛ كلما أحتفظنا بسرية تفاصيله كلما زاده ذلك عذوبة.

وأيقنت إن أطهرَ حُبٍ هو ذلك الذي نحتفظُ به داخل ذواتنا؛ فيهِ ننسجُ تفاصيله بخيالنا من دون أن نبوح بها، وبهذا الحُب لا نحتاج إلى حبيب يُشاركُنا؛ لأن بهذا الحُب يكون الحبيبُ وهماً من خيالنا، لذلك هو أطهر حُب لأنه من نتاج خيالنا نحتفظ بهِ لأنفسنا وقلوبنا، بل في الحقيقة قد يكون هو تمهيداً للحبيب والحُب الذي نحن بإنتظاره!

من شدة إيماني بالحُب، بدأت أخشى ان أموت قبل ان أحظى به وبمذاقه!

قال الأديب الراحل مصطفى صادق الرافعي (رحمه الله):

هذه النفس تسأم الحياة ..

فتُريد أن تخرج منها وهي فيها ..

فلا يصنع لها هذه المعجزات إلا "الحُب" !

عبدالرحمن المنيع

Nothridge, CA