© All copyright reserved to Nebras 2019

  • Grey YouTube Icon
  • Grey Instagram Icon
  • Grey Twitter Icon
الموت عند الثامنة عشرة عاماً

مهد الولادة:

بعدما انتزعت ورقة التقويم الخاصة بهذا اليوم، أغمضت عينيها وراحت تتذكر ذاك اليوم حينما قالت لزوجها أنها ستستقيل من عملها وتبدأ بصيد السمك ومن ثم تبيعه، وعندما سألها عن السبب أجابت أنها تحب الأعماق، تحب الصيد، تحب تلك اللحظة التي يهفو بها حدسها من علو حينما تظن أنها تصطاد سمكة كبيرة وتكون في نهاية الأمر سمكة صغيرة، تحب ذلك الشعور الذي يكسرها حينما تحس بنقرات السمك على خيط الصيد فتشعر بقرب الكنز منها، فتحت عينها وهمست لورقة التقويم الخاصة بهذا اليوم أن قرار الاستقالة ما هو إلا ولادة جديدة لها. تسر لورقة التقويم بأن يدها لازالت قادرة على حمل السمك، وأن شعرها المكسو بالشيب ما هو إلا حكمة الشمس، وأن زوجها لا يزال فخورا ببائعة السمك الخاصة به، ولا يزال يتغزل بجمالها على الرغم من أنها تجاوزت التسعين. كانت تقهر الموت لأنها حققت ذاتها وعاشت شغفها الصغير الذي يسكن في أعماقها منذ كانت صبية.

 

لحد الثامنة عشرة عاما:

حدق والده في عينيه كما تحدق أنت بالصفحة، راح يصرخ به:

"ستدخل الطب رغماً عنك .. أريد أن أرى ابني طبيباً أفخر بهِ، أراك كأني أراني فأفخر بك أمام زملائي .." بكى وسالت من عينيه بدلته العسكرية التي طالما حلم أن يرتديها، طأطأ رأسه موافقاً على ما قال أبوه، وقبيل أن ينام أخذ عزاء نفسه وعزاء أحلامه المقتولة .. كلاهما مات. ولا زال الأب فخوراً بابنه الطبيب الجراح الذي عالج الجميع وعجز عن جراحة حلمه.

 

تراب:

الحكاية ليست حكاية عجوز وصبي بل حكاية حلم وشغف، فمتى تبدأ بتحقيق حلمك ستبدأ حياتك، ومتى ما استسلمت للموج محطماً ما حلمت به ستموت، حتما ستموت لأن الشغف الساكن بين ضلوعك سيشيخ ويضغط عليك حتى تنفجر، ليكون عمر موت الحلم هو عمر موتك، وعمر العودة للحلم وتحقيقه هو عمر الولادة من جديد. وفي مجتمعاتنا أغلبنا يموت في عمر الثامنة عشرة أي عمر الانتقال من المرحلة الثانوية إلى المرحلة الأكاديمية، والبدء بحياة جديدة متضمنة بذلك اختيار التخصص الجامعي والذي يعني إشباع شغفنا وتحقيق أحلامنا لكننا مع الأسف نطبق أحلام الآخرين ونترك أحلامنا على الرصيف، عرضة للسخرية . وبين البين قد تحظى بمجتمع يحب الحياة مثلك فيمد لك يده ليسعف حلمك من جديد. وقد تبلى بمجتمع يتدخل بحلمك منتقدا إياه لأجل ألا يكون، يحطم طائرتك الورقية حتى لا ترفع رأسك وتكتشف السماء بينما يحدق هو إلى الأرض، مجتمع يسرق الخشب كي لا تبني سفينة نوح فتنجو حينها من الطوفان ولا تكون نبيا، فإذا وجدتَ في مجتمع مثل المجتمع الأخير أحكِ لهم حكاية التراب الذي صار قلعة لأنه آمن بذاته وصار ما أراد. إذا وجدتَ في مجتمع محبط كن ريحا تنثر في عيون المحبطين ترابا كي ينشغلوا بعماهم وينسون أثرك.

 

بين المهد واللحد ألف فكرة عابرة وألف شغف وحلم ينتظرك، بين المهد واللحد وقتٌ طويل لتحقيق ذاتك، لا تمت مبكراً بتحطيم حلمك وشغفك، احفظه في الدولاب بعيدا عن الجميع سيكبر معك وتدق الساعة يوما كي تحققه .. لذا إن مت الآن كما مات ابن الثامنة عشرة تذكر شغف بائعة السمك، وتذكر أن عقربا الساعة لا زالا يدوران لذا هناك وقت لولادة شغفك ... لكن أنهض مبكرا.

 

 

نواف جمال الربيع

الكويت

#سماوي

Twitter: nawwafrbai3