© All copyright reserved to Nebras 2019

  • Grey YouTube Icon
  • Grey Instagram Icon
  • Grey Twitter Icon
القميص الأسود

كنت في شارع سانتا موينكا الثالث بمدينة لوس انجلوس مع صديقاتي وأختي نتبضع في نهاية الإسبوع, لكن الكثير منهن يتذمرن من طابع لباسي واختياراتي للملابس والأفلام وحتى الأكل, بطبعي أنا لا أحب أن أقلد أي كائنٍ كان بلباسه أو حتى بطريقة طعامه, أحب الفردية,  وهذا سبب تذمر الجميع مني, بينما الفتيات انتشرن في السوق المفتوح, لم يكن لي محلاً مفضلاً هناك سوى كيتسون,وللأسف تم إغلاق جميع فروعه لسببٍ مجهول! لحسن الحظ إني غادرت كاليفورنيا حينها, فلن أشعر بالندم مالم يكن المحل مفتوحاً أو لا, على أية حال, عبرت الإشارة الفاصلة بين المحل والمحلات الأخرى, وتوجهت بسرعة للقمصان القطنية, سقطت عيناي على مجموعة من القمصان السوداء التي تحمل شعائر الأديان تحت كلمة إنجليزية بمعناها العربي "التعايش", ومن ثم "دافع", اشتريت القمصان الثلاثة وغادرت المحل.

***

كنت أمام المرآة سعيدة, ارتديت قميصي الأسود وشرعت أتأمل الشعارات الثلاثة "الهلال الإسلامي, الصليب المسيحي,ونجمة داوود اليهودية" , كانت فكرة تداخل هذه الشعارات نوعاً ما جريئة لكن لم يرتح لي بال إن لم ألبس هذا القميص, أن ألبس شيئاً ذو هدف أفضل من لاشيء, كنت موشكة على تجهيز حقيبة ظهري, وإذ بهاتفي يرن إنه سائق الأوبر, سيأخذنا جميعاً لإختبارنا في جامعة فلورتون, أي يعني سنترك مكان الحرم الجامعي لجامعة كاليفورنيا, لوس انجلوس, ونذهب قاطعين مشوار ساعة, نزلت من شقتي متوجهة للبوابة الرئيسية نحو السيارة, مشيت بهدوء تام مع أختي وصديقتي, فتحت باب السيارة وإذ بشخص يلتفت قائلاً باللغة الإنجليزية دون وجود لهجة بها:

- التعايش؟ أي لعبة تتحدثين عنها.

شعرت بأن حلقوماً ببلعومي, ولم أنطق بأي حرفاً سوى الصمت, شعرت بأن هذا القميص لا فائدة منه سوى الإستهزاء من الغير به, وبعدها بدقائق السائق نفسه بدأ يتحدث بالعربية! ألزمت الصمت طول الطريق, ولم أنبس بأي حرف, حتى وصلنا دون أن أفاتحه بالموضوع.

***

إنها الساعة الثانية عشرة ظهراً, أنا في قاعة الإنتظار على أملٍ أن يحين دوري بإختبار التحدث وطلاقته, لكن ما إن قطعت الممر كي أدخل عرفة المقابلة حتى رأيت نظرات استهجان من طلابٍ من الجنسية العربية ثغرتني كالرصاصِ تماماً, حينها قررت أن لا ألبس هذا القميص بأي مكانٍ كان, لأن لا أرى شيءٍ سوى الإستهجان والإستنكار, كنت أتساءل الخلل من أين؟ من نجمة داوود, الصليب, أم جميعهم؟ لماذا تأسسنا على أساس استهجان ماهو مختلف, ولماذا نتعامل مع البعض بإسم الدين, لا بإسم المعاملة الشخصية, أو بإسم الأخلاق, طالما زرعت الفكرة برأسهم بأنهم كفار لا دينَ لهم, لكن من خلف زراعة كل تلك الأفكار؟ كنت متشتتة الذهن, ما بالهم, ولم أسمع كلمة إطراء بشأن هذا اللبس, حينها سحبت سحاب قميصي التاي داي دون أي تعليق لأن الكيل قد طفح!

***

عدنا للمنزل بهدوءٍ تام, وبينما كنت بالطريق كنت استرجع ذكرياتي مع معاملات الناس لي في الولايات المتحدة الأمريكية بصفتي مسلمة, كي لا أظلم فئة ولا أبالغ في معاملتي, كنت يوماً ما بقرب معابد بيفرلي هيلز مع أخواتي بعدما فرغنا من أكل الطعام, ولسوء الحظ أضعنا الطريق, فلم يكن باليد حيلة سوى أن نسأل من كان حول المنطقة, ولم يكن من نصيب حظنا سوى أن نسأل حاخاماً بقبعته و ظفائره البيضاء بزيه الأسود القاتم عن الطريق, لكنه لم يجب سوى بالرفض الشديد, حينها شعرنا أن الدنيا قد أطبقت علينا كفوفها لأن تفسيرنا كان "لأننا مسلمون, لذلك رفض أن يساعدنا", و ثم شعرت بالضيق الشديد وهو شعورنا كأقلية في هذا المكان, شعرت بالظلم نوعاً ما لأن الدين هو أفكار وأسلوب حياة شخصي, بعدها بعدة دقائق تذكرت قصتي مع اليهودي ذو القلنسوة, حدثت هذه القصة في جبال بيق بير بكاليفورنيا, لسببٍ ما شعرت بهبوط ضغطي وتدحرجت من قمة الجبل لأخمصها ولم أذكر أياً مما كان, لكن بعدما صحوت بالمشفى أخبرتني أختي:

- أتعلمين من أن من قام بمهاتفة الإسعاف ومنادتنا إنسان يهودي ذو قلنسوة, ظننت أن جميع اليهود يكرهوننا.

حينها وصلت لنقطةٍ ما, لكن القصة لم تنتهِ بعد.

***

في يوماً آخر, بعدما فرغت من موعدي الطبي من مستشفى جامعة كاليفورنيا لوس انجلوس وكان قميصي الأسود علي, ذهبت لأعبر الإشارة العريضة, الفاصلة ما بين المشفى وبين العمارات والمطاعم الأخرى, وإذ بأثنين قد عبروا الإشارة صارخين بالإنجليزية " أختيارٍ سليم بشأن هذا القميص!", وأخرى قالت "حظٍ موفق!", حينها عبرت الطريق وابتسامة عريضة على وجهي, كنت سعيدة جداً وكانت وستوود ليست كعادتها, تبتسم لي, حينها قررت أن أرتدي القميص دون تردد.

***

في نفس اليوم هاتفتني جارتي كي نجتمع سوياً, وكان لدي قميصاً آخر يحمل نفس الفكرة لكن كتبت كلمة السلام بالعربية والعبرية والإنجليزية, ولم أرتدِ قميصاً يحمل شعاراً لأن في الأيام الخوالي تم طردي من إحدى بيوت جاراتي العربيات لأني ارتديت شعار دين الكفار, فأخبرتها بأن هذا تخصصي وهذا مشروعي الدراسي لذلك يجب علي إرتداء هذه الأنواع من الثياب.

كنا جميعنا مع خالاتي كما اسميهن مع ابناءهن الصغار مجتمعات, وكأن الأوضاع في الشقة أوضاع المعيشة في الكويت وليس في الولايات المتحدة, بعد ساعة من حضوري انتبهت احدى الحاضرات بأني مرتدية قميصٍ كتب عليه كلمة السلام فابتسمت وقالت:

- أحب القضايا التي تهتمي دائماً بأن توضحيها بلباسك, وفقك الله.

كانت أول إنسانة عربية مشجعة لي بعد الإستنكار الذي رأيته في جامعة فلورتون, وإستنكار سائق الأوبر, حينها قررت أن لا أبالي وأن أضع قناعاتي في المكان الصحيح, لأن عندما كنت في إحدى المطارات العربية مرتدية إحدى القمصان شددت أختي على لغتها بأن أغلق سحاب كي لا يرى أحد شعار الصليب والنجمة الداوودية, ولكني مللت من شرح نفس الموضوع للمرة المليون .

***

السؤال طرح علي مرات عدة وعدة, العنصرية والتمييز أنواع, ليس بين ثلاثة أديان, بل بين طوائف وقبائل ومذاهب, لكن لماذا هذا الشعور؟ لماذا دائماً يصعب علينا فهم الإختلاف؟ لماذا لا نشعر بالراحة إلا مع من هم نفس طائفتنا ولساننا وحتى ديننا, لماذا يستنكر البعض من أي كائنٍ كان, طالما كانت مربيتي مسيحية, وعشنا معاً في نفس المنزل, طالما كانوا معلميني في المدرسة مسيح ومسلمين, ولم أتعلم شيئاً مختلفاً, وتعايشنا معهم, ومنقذ حياتي كان يهودياً, ولم يرفض أن يهاتف الإسعاف لأني كنت مسلمة.

بعد اختلاف معاملات الناس لي من مختلف الأديان والأطياف والألوان والأسماء, فنحن أبناء أبٍ واحد, وأمٍ واحدة, فلا أعامل أسود بسوء لأنه أسود, ولا أعامل أبيض بحسنٍ لأنه أبيض, بصريح العبارة أدونها كما قالها عباس محمود العقاد "عامل الناس كما تحب أن يعاملوك".

صفا العراده

Pullman, WA