© All copyright reserved to Nebras 2019

  • Grey YouTube Icon
  • Grey Instagram Icon
  • Grey Twitter Icon

الإنسان موقف

الحب والحق والوفاء والخير ليست مجرد كلمات ولكنها مواقف حياة، فالكلمات تظل مجرد حروف تموت على صفحات الأوراق حتي تتحقق في حياة البشر، فماذا يفيدنا لو كتبت آلاف الكتب عن الجمال والحق والخير، والقبح والخيانة والكراهية تحيط بنا؟! وماذا يفيدنا لو سمعنا كلمات وقصائد يتلوها على مسامعنا البعض، وفي المواقف نجد عكس هذا؟! وماذا يفيد الوطن حين تكتب المقالات وتنشر الأغاني عن حب الوطن، وحين يحتاج الوطن للبناء أو الحماية، يهرب هؤلاء؟! الحياة مواقف والإنسان موقف.

 

في تاريخنا وحياتنا نرى هذا وتلك وبينما نتألم حين نُطعن بسكين الخيانة نفرح بالأيادي التي تضمد هذا الجرح، وبينما نري من يتآمر ويصنع الشر، نرى أيضاً من يحتضن ويقدم الخير والحب، فهكذا أمر البشرية منذ أن دخلت فيها عناصر الشر والفساد، هناك من احترف الكلمات الرنانة وادعاء البطولة والكلمات المعسولة وتعهدات الوفاء والحب ولكن حين يأتي وقت البطولة الحقيقية يهربون وأحياناً يخونون أيضاً، فالأبطال الحقيقيون هم أصحاب المواقف والمبادئ، هم من يحملون هموم الوطن بعزيمة البناء والفداء، وهم من يعيشون أيامهم لأجل الآخرين، من يحملون آلام المعذبين، من يناضلون ليسعدوا الآخرين.

فالكلمات لا تصنع حياة ولكن العمل هو الحياة، وأقسى الطعنات التي تصيب القلب تأتي ممن أحبوا بالكلام وخانوا بالأفعال، من يحمل قناعاً لملامح البراءة والخير ثم يسقط القناع فننصدم من ملامح الخيانة والشر، فالحياة مواقف إما أن تعيش حقيقة أو تكون مزيفا، وعلي حسب التعبير المعروف إما أن تكون أو لا تكون، هذا ما يتحقق بأفعالك، بمواقفك في الحياة وليست بالكلام أو الشعارات.

 

يذكر شارلي شابلن، أعظم كوميدي في تاريخ السينما، أنه حينما كان صغيراً ذهب برفقة أبيه لمشاهدة السيرك ووقفوا في طابور طويل لحجز التذاكر، وكان أمامهم عائلة مكونة من ثمانية أشخاص، الأب والأم وستة أولاد، وكانت تبدو عليهم حالة الفقر ولكن كان الأطفال في حالة سعادة لأنهم سيذهبون لرؤية السيرك، وتقدم الأب إلى الشباك وسأل على سعر تذكرة الدخول، وبعد رد عامل الشباك عليه صمت الأب ونظر إلي الأرض نظرة بؤس وحيرة ونظر إلي أطفاله وهو يحبس دموعه وهمس في أذن زوجته التي أخذت تجمع أولادها لتعود، وهنا أخرج والد شابلن عشرين دولاراً ورماها على الأرض ثم انحنى والتقطها وأعطاها للرجل وقال له لقد سقطت منك هذه، إنها نقودك وابتسم في وجهه وهو يربت على كتفه وسقطت دموع الرجل واحتضن والد شابلن. الرائع في القصة أن والد شابلن لم يكن معه سوي العشرين دولاراً، فأخذ ابنه وخرج من الطابور. وهنا يقول شارلي شابلن: "لقد كان هذا هو أعظم عرض رأيته في حياتي، فلقد علمني كيف أحب دون مقابل، وكيف أقدم السعادة للآخرين." عزيزي القارئ إنها الحياة الحقيقية التي يجب أن تكون.

عبدالعزيز سعود البابطين

الكويت