© All copyright reserved to Nebras 2019

  • Grey YouTube Icon
  • Grey Instagram Icon
  • Grey Twitter Icon
الأدب العربي

شُغِفَ الإنسان منذ القدم بالكشف عن الغامض والمجهول فقاده هذا إلى لون من المعرفة، وحقق له أنماطاً من الوعي، ويمثل الكشف، ابتداء، إشباع حاجة ما في الإنسان لأنه جُبِلَ على أنْ يكون أفضل مما هو عليه، بمعنى أنه يسعى لدرجة من التكامل من جهتي بناء ذاته وتفاعله مع بني جنسه، فضلا عن محاولته لتكوين تصور عن العالم الذي يعيش فيه، ومن ثم في تحديد موقف منها جميعا. وعلى الرغم من الخصوصية الفردية التي يتسم بها الإنسان فإنه لا يركن إلى الوحدة إذ لابدَّ من تحقيق وجوده وذاته في واقع اجتماعي معين، فهو من هذه الناحية يسعى إلى تمزيق كل محاولة تتسلل فيها الغربة أو الاغتراب ليندمج في الواقع الاجتماعي، وهذا بحد ذاته تجاوز لفردية الإنسان إلى حالة تواصل مع الآخر وتوازن معه، أي تجاوز الفردية إلى لون من الاندماج الاجتماعي . في العصر الجاهلي ــ وهو أقدم مايعرف من  أدوار تاريخ الأدب العربي ــ لاتوجد نصوص تشير إلى أن كلمة ( أدب ) فيه كانت تعنى ماتحمله في هذا العصر من معنى، بل إن هذه الكلمة كانت قد عرفت في معنى ضيق جداً ، وهو الدعوة إلى مأدبة أو وليمة ، ثم عرف العرب من معاني الأدب أنه الخلق المهذب ، والطبع القويم، والمعاملة الكريمة للناس حتى جاء الإسلام و وضع  أصول الآداب، واجتمع المسلمون على أن الدين أخلاق يتخلق بها ، فشت الكلمة،أما حديث ( أدبني ربي فأحسن تأديبي )، ولكن في هذا العصر استخدمه شاعر مخضرم يسمى سهم بن حنظلة الغنوي بنفس المعنى إذ يقول:
لايمنعُ الناس منِّي ما  أردت ولا

أعطيهم ما أرادوا حُسنَ  ذَا أدبا

أخذت كلمة ( أدب ) في عصر بني أمية معنى تهذيب السلوك الذي دلت عليه كلمة ( أدب) في عهد النبوة، لكن اتسع هذا المعنى التربوي التهذيبي، فأصبح معنىً تربوياً تعليمياً تثقيفياً وتهذيبياً. فقد ظهرت في العهد الأموي شخصية (المؤدب )، وهو المعلم أو الأستاذ، الذي كان يختاره الخلفاء والأمراء ومَن في حكمهم لتعليم أبنائهم وتهذيبهم، وكان ذلك التعليم شاملاً لكل علوم العصر بلا استثناء. وظل معنى ( التثقيف ) مفهوماً من كلمة التأديب في هذا العصر، حتى أطلق على طائفة من ممتازي الأساتذة اسم (المؤدبين ) ، وهم القائمون بأمور التعليم على النحو المعروف أيام بني أمية ، وهو التعليم بطريق ا لرواية للشعر والأخبار ومايتصل بالعصر الجاهلي. وصارت كلمة ( أدب ) تدل منذ العصر الأموي على هذا النوع من الثقافة، واتاح هذا الاستخدام الجديد لكلمة ( الأدب ) أن تصبح مقابلة لكلمة ( العلم ) الذي كان يطلق حينئذٍ على الشريعة الإسلامية ومايتصل بها من دراسة الفقه والحديث النبوي وتفسير القرآن الكريم. وفي نهاية  العصر الأموي وبداية العصر العباسي، كانت الدولة العباسية قد اتسعت كثيراً رقعتها الجغرافية، وتوسعت دواوينها، فكان من الطبيعي أن يُعنى العلماء والمفكرون بتزويد رجال الحكومة وكتابها بما يلزمهم من ثقافة وإرشادات، وقد ظهرت في تلك الفترة كتب كثيرة تحمل كلمة ( أدب ) في عناوينها، وكان القصد منها هو تثقيف رجال الحكومة وكتابها ومن تلك الكتب ( الأدب الكبير )، و ( الأدب الصغير ) لعبدالله بن المقفع، و ( أدب الكاتب ) لابن قتيبة. فبعد أن عرفت حدود الأدب في القرن الثاني الهجري واشتهرت الكلمة، بقيت لفظة ( الأدباء ) خاصة بالمؤدبين، لاتطلق على الكتاب والشعراء، واستمرت لقباً على أولئك في منتصف القرن الثالث، ومن ذلك كان منشأ الكلمة المشهورة ( حرفة الأدب ) وأول من قالها الخليل بن أحمد الفراهيدي صاحب العروض المتوفى سنة 175هـ، وذلك في قوله كما جاء في المضاف والمنسوب للثعالبي : ( حرفة الأدب آفة الأدباء )؛ لأنهم كانوا يتكسبون بالتعليم ولايؤدبون إلا ابتغاء المنالة، وذلك في حقيقة معنى الحرفة على إطلاقها. وهكذا شهد القرن الثالث الهجري تحديداً لمعنى الأدب، وأنه المأثور من الشعر والنثر ومايتصل بهما، أو يفسرهما، أو يدل على مواضع الجمال فيهما. فهذا محمد بن المبرد المتوفى سنة 258هـ يقول في صدر كتابه ( الكامل ) : ( هذا كتاب ألفناه يجمع ضروباً من الآداب مابين كلام منثور، وشعر موصوف، ومثل سائر، وموعظة بالغة ... )، وبنفس هذا المعنى سمى أبو تمام المتوفى سنة 232هـ الباب الثالث من ديوان الحماسة الذي جمع فيه مختارات من طرائف الشعر، باسم ( باب الأدب ) . وينطبق هذا المعنى تمام الانطباق على  ( كتاب الأدب ) الذي عقده الإمام البخاري المتوفى سنة 256هـ في مؤلفه المشهور في  الحديث والمعروف باسم ( الجامع الصحيح ). ولم ينتصف القرن الرابع الهجري حتى كان لفظ ( الأدباء ) قد زال عن العلماء جملة، وانفرد بمزيته الشعراء والكتاب في الشهرة المستفيضة؛ لاستقلال العلوم يومئذٍ وتخصص الطبقات بها. لعل خير محاولة قام بها العرب لتحديد معنى ( الأدب ) تلك التي قام بها ( ابن خلدون ) في مقدمته، إذ قال تحت عنوان ( علم الأدب ) : (الأدب هو حفظ أشعار العرب وأخبارهم ، والأخذ من كل علم بطرف ).

 

 

طلال حمد العازمي

Pocatello, ID